

إسطنبول – ديسمبر 2025
ضمن أعمال اجتماع المنطقة العربية للاتحاد الإسلامي العالمي للمنظمات الطلابية (إيفسو)، الذي انعقد في مدينة إسطنبول خلال الفترة من 15 إلى 17 ديسمبر 2025، شكّلت المحاضرات والجلسات التفاعلية محطات فكرية مركزية في الاجتماع، لما طرحته من قراءات فكرية وحركية مرتبطة بدور الشباب والطلاب، حيث تميّزت هذه الجلسات بكونها تجاوزت الطرح الوصفي للأحداث، متجهة إلى تفكيك السياق العام الذي تعمل فيه المنظمات الطلابية، ومحاولة إعادة تعريف موقعها في معادلات التأثير، سواء على مستوى الدبلوماسية العامة أو قضايا الأمة المركزية أو فهم المتغيرات الدولية المتسارعة.
وفي جلسة حوارية ثرية جاءت بعنوان “التغييرات الإقليمية ودور المنظمات الطلابية”، وأدارها الأستاذ معاذ نزّال، الإعلامي ومقدم البرامج التلفزيونية، وشارك فيها الأستاذ زكي بني ارشيد، الأمين العام الأسبق لحزب جبهة العمل الإسلامي والمفكر والسياسي الأردني، مع الأستاذ الدكتور مصطفى الخلفي، وزير الاتصال المغربي الأسبق، حيث ركز بني ارشيد في أطروحته على البعد المرتبط بدور الشباب في لحظة التحول، مؤكداً أن العالم —وليس المنطقة العربية فقط— بات في أمسّ الحاجة إلى طاقة الشباب وقدرتهم على الفعل، كما شدد على ضرورة إتاحة الفرصة الكاملة لتمكين الشباب قيادياً، باعتبار أن ذلك ليس خياراً بل واجباً من الجميع تجاه الأمة للحفاظ على حيويتها وفاعليتها، ومن جانبه قدم الدكتور مصطفى الخلفي مقاربة استشرافية أكد فيها أن هناك عناصر أمل في الواقع ومن رحم الأزمة تنبثق ولادة جديدة، معتبراً أن دراسة المتغيرات الحالية على مستوى المنطقة العربية تبقى مهمة كبيرة وضرورية أمام القوى الحية، وفي مقدمتها المنظمات الطلابية، مطالباً “إيفسو” بإطلاق عملية بحث تهدف لدراسة المتغيرات الحالية عالمياً وإقليمياً وفهمها ووضع حلول للتحديات التي تقابلنا، بما يربط بين التفكير النظري ومتطلبات الفعل الطلابي المنظم.
أما الجلسة الحوارية التي جاءت بعنوان “الفرص والتحديات السياسية للمنظمات الطلابية”، فقد أدارها الأستاذ نزار الجرّاي، الأمين العام للاتحاد العام التونسي للطلبة، والذي استهل الجلسة بالتأكيد على أن هذه الأمة جُبلت على أن توحد ولن يكون لها شأن إلا بتوحدها، معتبراً أن العمل الطلابي هو عمل نخبوي هدفه تصدير العقول والمؤثرين، وقد جمعت الجلسة الدكتور عبد الرحمن الفرا، رئيس مجلس إدارة جمعية طلبة فلسطين — فوديرن، والأستاذة إيمان اطرايفي، عضو المكتب الوطني لشبيبة العدالة والتنمية بالمغرب، حيث أوضح الفرا أن العمل الطلابي يبدأ بالمهام الواضحة ووجود رؤية لتطبيقها، وأن ما يتم القيام به على الأرض هو الذي يقلب الطاولة، مؤكداً أن “إيفسو” تملك إمكانية حقيقية للعودة بقوة وترجمة الكلامالنظري المجرد إلى مواقف عملية، وفي المقابل استعرضت الأستاذة إيمان اطرايفي تجربة الشبيبة في المغرب واصفة إياها بالملهمة، ومؤكدة أن الهدف الأساسي هو إعادة الأخلاق إلى الفضاء العام عبر تبني وتطبيق وممارسة قيم الصدق والأمانة والإحسان، كما أشارت إلى أن التطور التكنولوجي فرض نفسه ومن باب أولى تحديث طرق عملنا لمواكبة هذا التطور.
وخلال الجلسة الحوارية التي بحثت “طوفان الأقصى وإعداد جيل التحرير.. دور الحراك الطلابي”، والتي أدارها الأستاذ محمد يحيى، الأمين العام للاتحاد الوطني لطلبة موريتانيا UNEM، قدم الأستاذ مروان بن قطاية، عضو المكتب التنفيذي للايفسو ورئيس منظمة جيل الترجيح من الجزائر، قراءة تحليلية أشار فيها إلى أن التحدي القائم يتطلب الخروج من دائرة المألوف، لافتاً إلى أن “قافلة الصمود” شكلت كتلة تؤمن بأن ما يجمعها شيء كبير رغم اختلاف الخلفيات الفكرية، وبجانبه أكد الدكتور نضال صلاح، مسؤول العلاقات في ملتقى شباب العالم الإسلامي، أن الشباب والطلاب هم من قادوا الحراكات حول العالم بفضل إيمانهم بما يقدمونه، معبراً عن مفاجأته بقوة الحراك الشبابي الغربي وتأثيره في إيقاظ الوعي، ومشدداً على حاجة العمل الطلابي لتعزيز أدواته الميدانية لتتوازى مع قوة رسالته وقيمه.
من جانبه، قدم الدكتور رفيق عبد السلام، وزير الخارجية التونسي الأسبق ورئيس “شبكة الوعي العربي”، في محاضرة تخصصية بعنوان “الدبلوماسية العامة ودور المنظمات الشبابية”، قدم فيها قراءة سياسية ركزت على أن العمل الدبلوماسي لم يعد حكراً على الدول بل بات مساحة مفتوحة أمام الفاعلين المجتمعيين، مشيراً إلى أن غياب رؤية عربية وإسلامية متكاملة في ظل عالم التكتلات الكبرى يعني البقاء خارج المعادلة الدولية، وداعياً الشباب إلى الاستعداد للتغيير القادم عبر بناء الوعي وترتيب الأولويات بحيث يعاد توجيه الموارد البشرية والمالية نحو مكامن الضعف ليكون العمل الطلابي المنظم أحد روافع الحضور والتأثير في الفضاء العام العالمي.
وعكست هذه الأطروحات مجتمعة توجهاً واضحاً داخل اجتماع المنطقة العربية لإيفسو 2025 نحو إعادة الاعتبار للدور الفكري والسياسي للعمل الطلابي بوصفه مساحة لإنتاج الوعي وصناعة المبادرة، كما أكدت أن الرهان على الشباب والطلاب يظل الخيار الأجدى في زمن التحولات، شرط امتلاك أدوات الفهم وحسن ترتيب الأولويات والقدرة على تحويل الوعي إلى أثر ملموس في الواقع.
